أيلول / سبتمبر  2008

 


 

المزاج الشيعي

عدنان الأمين


 

قلوب فقراء الشيعة مع "حزب الله"وآمالهم معلقة عليه، وقابليتهم سريعة لتصديق إنجازاته لأنهم يثقون بجديّته. وليس ما نراه في التلفزيون من سيدة ثكلى تمتدح المقاومة وتتكل على الله القادر في تقرير المصائر، أمراً ملفقاً. أما التهجير وآلامه وتدمير المساكن فلهم فيه تاريخ. لكنهم هذه المرة ورغم مآسيهم يتمتعون بقوة وسكينة داخلية غير عادية. وهي قوة أعطاهم إياها "حزب الله"، لاقاه تضامن شعبي وسياسي ووطني في رعايتهم.

متوسطو الحال وصغار الموظفين لا يستعملون بالضرورة لغة الإيمان ولا يضعون المصائر في أيدي الله وحده. صحافي يكرّر ما يقوله وزير من "حزب الله"حول البنود السبعة. موظف يشدّد في كل مرة على خسائر إسرائيل. أستاذ جامعي هدم بيته، جنى عمره، يتألم ولكنه يخاف بالقدر نفسه من المستقبل. أستاذة ثانوية تقول: إنها حرب على الشيعة، إذا انتصرت إسرائيل على "حزب الله" انهزم الشيعة أمام الطوائف الأخرى. هذه الجملة تختصر المعادلة الدفينة للمزاج الشيعي في مختلف الطبقات الاجتماعية.

في هذا المزاج الشيعي السائد لا يعني تمجيد "المقاومة" الاستعداد للحرب. لعل "المقاومة" بالنسبة للشيعة قبل حرب تموز هي ما حصل في التسعينات وما نتج عنها من تحرير. ولم يكن أحد بعد العام 2000، يتحدث عن الحرب مع إسرائيل أو تخطر بباله هذه الفكرة أو يتوقع حدوثها. وفي وقت كانت فيه كوادر "حزب الله" العسكرية تتدرب وتتسلح، كان الجنوب يشهد حركة عمرانية اقتصادية قوية. وعادت بعض المدن التي هجرها أهلها طوال عقدين أو أكثر لتعمر بالسكان ولو نسبياً. إن استدامة "المقاومة" ورواجها في المزاج الشيعي بعد العام 2000 تعزى إلى أمر آخر: الصراع السياسي الداخلي.

في الانتخابات النيابية في العام 2005 كانت الكلمة المفتاح التي جعلت الأصوات تصب لمصلحة الثنائي "حزب الله" - "حركة أمل"، بقيادة "حزب الله"، هي "أنهم يريدون نزع سلاح المقاومة". والفاعل الموحى به هو القوى السياسية التي بدت للناخب الشيعي، حقيقة أو وهماً، تريد السيطرة على الدولة، وهي في نظره قوى 14 آذار بقيادة سنية، حالة محل السيطرة السورية. لذلك فإن الحجج العقلانية التي كانت تبدو لأي ناظر خارجي بديهية ومقنعة، حول نزع سلاح "حزب الله" وتسلم الدولة والجيش السلطة في الجنوب، كانت، من منظار المزاج الشيعي، حججاً عقيمة. لأن الأجندة الضمنية، من هذا المنظار، هي أجندة تغلب طائفة على طائفة، وليست أجندة دولة بالمعنى القانوني والسياسي للكلمة.

وفي هذا المزاج الشيعي لا مكان لإيران. إيران ليست موجودة في الوجدان الشيعي مثلما كانت مصر عبد الناصر موجودة في الوجدان المسلم في الخمسينات والستينات. وما نجده من صور معلقة على أعمدة الشوارع الرئيسة في قرى الجنوب لقادة إيران (خامنئي أو الخميني أو غيرهما) هي من أعمال "حزب الله"، ولا نجدها في المنازل. توجد في المنازل صور للإمام الصدر والسيد حسن نصر الله وللرئيس نبيه بري. مثلما كانت صور عبد الناصر سابقاً.

ثمة تفسيرات عدة لهذه المسافة بين المزاج الشيعي وإيران أهمها اللغة. لا أحد يعرف الفارسية من الشيعة لكي يستمع إلى خطب خامنئي. ثم إن التحالفات التي يعقدها الحزب السياسي القوي لا تغير مشاعر أبناء الجماعة بالانتماء. فكما أن الوسط السني لا يعتبر نفسه سعودي الانتماء لأن رئيس "تيار المستقبل"حليف قوي للمملكة العربية السعودية فإن الوسط الشيعي لا يعتبر نفسه إيراني الانتماء لأن "حزب الله"حليف قوي لإيران. طبعاً هناك مشكلة في هذه التحالفات الخارجية، وفي تأثيرها القوي على استقلال لبنان وعلى لبنانية أحزابه، وهي مشكلة يزيد خطرها عندما يتحول الحزب قوة مسلحة. لكن هذا الموضوع يقع ضمن مساءلة الناس للأحزاب وليس ضمن مساءلة الناس للناس أو الأحزاب للناس.

الموضوع لا يحتمل الخلط بين جماعة وحزب. لا يحتمل المزج بين الشيعة و"حزب الله"وإيران والحرب وسوريا ووليد المعلم. ولا يمكن القيام بهذا الخلط إلا ضمن أجندة سياسية مخادعة ضمنا أو علنا. وهو لا يعبر إلا عن قولبة وأحكام مسبقة وديماغوجيا. وقبل ذلك كله يعكس فقرا فكريا يضيع الفروق بين الطباع السياسية والأحزاب والمزاج السياسي والتفكير السياسي المستقل، ويقضي على فرص التغيير إلا بالعنف.

في كتاب نشرته منذ سنتين تحت عنوان "التنشئة الاجتماعية وتكوين الطباع "بيّنت أن هناك طباعاً سياسية سنية ومارونية وشيعية وغيرها. وقد استعرت كلمة طبع من الكواكبي (طبائع الاستبداد) ومن ابن خلدون (طبائع العرب)، وأعطيته المعنى الذي حمّله دوركهايم وبورديو لكلمة "آبيتوس". وهو استعدادات راسخة لدى أبناء شريحة أو جماعة أو طبقة تتكون نتيجة عمل دؤوب تقوم به كافة وكالات التنشئة، ومنها الأحزاب. ثمة طبع لبناني وطبع لكل جماعة. وطباع أبناء كل طائفة ترسم حدوداً لا تتجاوزها في خياراتهم السياسية والثقافية. لذلك تنحصر هذه الخيارات داخل مجموعة من الأحزاب دون غيرها، وعدد من القيادات السياسية دون غيرها، ومجموعة صحف دون غيرها، ومجموعة محطات إذاعية وتلفزيونية دون غيرها، الخ. ما يقال عن الشيعة يصح على السنة وعلى الدروز وعلى الموارنة وعلى غيرهم من الجماعات. ولا فضل في ذلك لطبع على آخر.

رغم ذلك فإن الطبع السياسي لأبناء جماعة هو غير الأحزاب والقيادات اللصيقة به. و"حزب الله" هو تيار سياسي، مثله مثل "حركة أمل"، بل هو مذهب في طائفة، له تنظيمه المقفل وصندوقه المالي المليء وعقيدته وطقوسه وتحالفاته، الخ.

وكما أن هناك طبعاً سائداً فان هناك أيضاً الخارجين عن الطبع، لأسباب مختلفة. وهذا ينطبق على جميع الطوائف. في الحالة الشيعية، ثمة شرائح واسعة من الناس، من العامة والنخبة، ممن لا يؤيدون "حزب الله" ولا "حركة أمل". وهم مشتتون يتراوحون بين الانخراط السياسي المناهض لهذين الحزبين اللامبالين والمستقلين. يجمعهم الاعتراض على النموذج الديني لـ"حزب الله" ونزعته للاستئثار بالحياة المدنية وعلى استئثار "حركة أمل" بالمصالح العامة للناس في الدولة. ويجمعهم أنهم لا يتناولون الأمور من زاوية الطبع الطائفي، وأنهم في الوقت نفسه محاطون بأهل وأقارب وأصدقاء منخرطين في المزاج الشيعي، وممن لاقوا الأمرّيْن في هذه الحرب، يتحسسون قضاياهم ويقيمون معهم علاقة تضامن أهلي ويتأرجحون معهم بين أخبار المآسي ومخاوف ما بعد المآسي.

ومن بين الخارجين على الطبع في كل جماعة ثمة مجموعة تذهب في الاتجاه المعاكس. وهي تتكون من محترفين في السياسة والثقافة يلتحقون بصورة طفيلية بتيارات سياسية لصيقة بجماعة أخرى، لأسباب متنوعة. خطاب هؤلاء يشبه خطاب أهل الطبع، من حيث تبسيط الأمور والقولبة والأحكام المسبقة. أقوى الحالات وأشدها وضوحاً حول هذا الاصطناع السياسي عرفناها، بسبب طول عهدها، لدى ما يسمى "مسيحيي سوريا". بعد الانسحاب السوري تقلص هؤلاء بشدة وما تبقى منهم التحق بتيار 8 آذار. هذا التيار الذي قاده "حزب الله" التحق به أيضاً من يمكن تسميتهم بسنّة 8 آذار. في المقابل ظهرت، في تلك الفترة أولى محاولات تكوّن شيعة 14 آذار. لكن المجموعة التي أعلنت عن نفسها آنذاك ما لبثت أن تداعت. اليوم ثمة مساع لتوليد هذه النزعة من جديد.

أما المزاج السياسي فيشير إلى الحالة السياسية السائدة في فترة معينة. لقد شكلت تظاهرة 8 آذار محطة بارزة في تغير المزاج الشيعي. فبعدما كان أهل الطبع منقسمين بين "حزب الله" و"حركة أمل"، تجمعوا منذ ذلك التاريخ تحت قيادة "حزب الله" وأصبح السيد حسن نصر الله زعيماً للطائفة. ومع اندلاع الحرب الأخيرة ظهر السيد قائداً عسكرياً في حرب عنيفة، تقاتل قواته بصورة فاجأت الإسرائيليين وأدهشت اللبنانيين والعالم. وبعد توقف القتال ظهر السيد أقرب إلى رئيس دولة، يمسح حزبه الأضرار بسرعة قياسية (وتأخذ منه الدولة المعلومات) ويعوّض على المتضررين. وشهد تالياً المزاج الشيعي مزيدا من التشدد.

في المقابل، كونت هذه الوضعية مزاجا سياسيا متشددا لدى كل من الطوائف الأخرى يستنكر الحرب والمغامرة بمصير لبنان. وأصبح ممكنا سماع من يقول لدى الطوائف الأخرى: إذا كان الشيعة يرغبون بالحرب وبالاستشهاد فليقيموا دولتهم وليتحالفوا مع من يشاؤون وليحاربوا قدر ما يشاؤون. ما يلجم حتى الآن تفاقم الأمور هنا وهناك ثلاثة أمور: أولها التفاهم بين التيارات السياسية. لقد أدت ورقة التفاهم بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" إلى أن يخسر العماد عون جزءا من قواعده المسيحية، ولكنها ربّحت لبنان استدامة التعلق بلبنان في المزاج الشيعي وشعورا بوجود قوى سياسية لبنانية يمكن الوثوق بها.

ثانيها التضامن الوطني، الذي تمثل بالاحتضان اللبناني العام للشيعة خلال تهجيرهم وهم عاشوا هذا الاحتضان يوماً بيوم، وبأشكال متنوعة. وهذا الشعور التضامني لا تمحوه الأيام ولا التصريحات.

ثالثها المسؤولية الحكومية. ذلك أن رئيس الحكومة، فؤاد السنيورة، لم يتصرف بمنطق الفريق أو الطائفة أو الفئة السياسية، أو الحزب، كما قال في خطابه يوم 17 آب، بل باعتباره رئيس وزراء لبنان. وكان ما كان مما نعرفه من نتائج حافظت على وحدة اللبنانيين، وعلى إنجاز ما تم إنجازه في النقاط السبع والقرار الدولي وإرسال الجيش إلى الجنوب. ولعل هذه الأمور الثلاثة أصبحت من مكونات المزاج الشيعي بعد الحرب، وربما غيره من الأمزجة.

إن تعديل المزاج الشيعي لا يقوم على اصطناع مجموعة شيعية ضد "حزب الله" أو ضد المزاج الشيعي عموما، والتصفيق لها. فهذا أمر يولد عكسه لأنه من المقلع الطائفي نفسه، وهو يقوم على الخداع. يحتاج لبنان في المدى القريب إلى مزيد من التفاهم والتضامن والمسؤولية، من أجل تعديل الأمزجة السياسية كلها، ومن أجل أن يربح لبنان نفسه. والى الإقلال من الرقص حول النار على نشيد الإعمار، كما حصل خلال الخمس عشرة سنة الماضية. لقد حرقت النار ما يكفي لتهديد عمارهم وحياتهم.

عشية الحرب كانت الطوائف كأمزجة تخاف من بعضها البعض. الحرب أضافت خوفا جديدا، على لبنان ككل، لدى الجميع. لم تكن صور التدمير الإسرائيلي وطمر الناس تحت الركام أو اصطيادهم في الطرقات فيلما سينمائيا يمكن مشاهدته ثم متابعة العيش بصورة طبيعية. الناس في جنوب لبنان، كسائر اللبنانيين، يريدون أن يعيشوا بكرامة، في بلد يتعلقون به وفي منطقة ذات مكانة غالية في نفوسهم، ويريدون أن تتوقف الحرب بصورة نهائية. اللبنانيون متعلقون ببلدهم ويبحثون في أعماقهم عن سبل القضاء على الخوفين، إما بالهجرة أو بمواجهة أمر تدبير أحوالهم. يحتاج لبنان في المدى القريب إلى أفكار وأعمال تعيد لهم الثقة ببلدهم ودولتهم وتدفعهم إلى المشاركة في بنائه والبقاء فيه. وهي أفكار وأعمال لن تصنعها إلا شرائح واسعة ومختلطة من اللبنانيين تعالج الأسباب العميقة للحال التي وصل إليها بلدهم.

ويحتاج لبنان، في المدى البعيد، إلى عمل دؤوب في حقل التنشئة السياسية من أجل تعزيز الطباع الوطنية، انطلاقا من النشيد الوطني الذي يغنيه كل أطفال لبنان.

_________________________

(*)   عدنان الأمين، أستاذ جامعي


 
   

شارك برأيك في هذا الموضوع

 

 
 

 

 

ليس ما نراه في التلفزيون من سيدة ثكلى تمتدح المقاومة وتتكل على الله القادر في تقرير المصائر، أمراً ملفقاً.

 

 

 

 

 

 

استدامة "المقاومة" ورواجها في المزاج الشيعي بعد العام 2000 تعزى إلى أمر آخر: الصراع السياسي الداخلي.

 

 

 

 

 

 

 ما نجده من صور معلقة على أعمدة الشوارع الرئيسة في قرى الجنوب لقادة إيران (خامنئي أو الخميني أو غيرهما) هي من أعمال "حزب الله"، ولا نجدها في المنازل.

 

 

 

 

 

 

طباع أبناء كل طائفة ترسم حدوداً لا تتجاوزها في خياراتهم السياسية والثقافية.

 

 

 

 

 

كما أن هناك طبعاً سائداً فان هناك أيضاً الخارجين عن الطبع، لأسباب مختلفة. وهذا ينطبق على جميع الطوائف.

 

 

 

 

 

من بين الخارجين على الطبع في كل جماعة ثمة مجموعة تذهب في الاتجاه المعاكس.

 

 

 

 

 

 

 

بعدما كان أهل الطبع منقسمين بين "حزب الله" و"حركة أمل"، تجمعوا منذ ذلك التاريخ تحت قيادة "حزب الله" وأصبح السيد حسن نصر الله زعيماً للطائفة

 

 

 

 

 

 تعديل المزاج الشيعي لا يقوم على اصطناع مجموعة شيعية ضد "حزب الله" أو ضد المزاج الشيعي عموما، والتصفيق لها

 

 

 

 

 يحتاج لبنان في المدى القريب إلى أفكار وأعمال تعيد لهم الثقة ببلدهم ودولتهم وتدفعهم إلى المشاركة في بنائه والبقاء فيه.