تشرين الثاني / نوفمبر  2008

 


ضحية "غير تامة" ورجولة منقوصة

عزّه شرارة بيضون


 في بلادنا، كما في بلاد أخرى في العالم، تُقتل نساء لأنهن نساء. ولو كان هؤلاء النساء رجالاً لما قُتلن...

 في ما يأتي، بعض نتائج دراسة تبحث في جرائم قُتلت فيها نساء لأنهن نساء؛ ولو كان هؤلاء النساء رجالاً، لكنّ ما زلن على قيد الحياة....

هذه الجرائم ارتُكبت، في إطار الأسرة؛ ضحاياها نساء مقصودات بالقتل، لكن ذهب معهن، أحياناً، ضحايا أخرى. المتهم بقتل الضحية هو قريب بالدم، أو هو قريب بالشراكة. اي أن القاتل كان أخاً أواباً أو عمّاً أو ابن خال، إلخ للضحية ؛ لكنه كان أحياناً زوجاً أو طليقاً أو عشيقاً، أو صهراً إلخ... لها. والدراسة بمثابة قراءة، من منظور جندري، لوثائق محاكمات لمتهمّين بقتل نساء صدرت أحكامُها أمام القضاء اللبناني في الفترة الواقعة بين 1999 و2007. عدد الوثائق ست وستون محاكمة إضافة إلى تسعة ملفات كاملة، من بينها، تداول فيها الفاعلون على ارض المحاكمة مفهوم الشرف صراحة.

 قراءة وثائق المحاكمات والملفات التي ذكرنا... وفّرت نافذةً استثنائية الموقع للنظر إلى أحوالٍ وأهوالٍ لبعض الأسر التي لجأ واحدُ (أو أكثر) من أفرادها إلى العنف القاتل ضدّ احدى نسائها، من أجل حلّ الصراعات القائمة بينهما.

ألخّص، في، ما يلي، بعضَ ما بان لي في قراءتي المذكورة من تجليات للجندر ومن تقلّباته على أرضية الأسرة ؛ وذلك من خلال تحليل للديناميات التي حكمت العلاقات القائمة بين الرجال والنساء فيها.

أوّلاً: الضحية غير "التامّة"

ملامح صورة المرأة / الضحية، كما ارتسمت في وثائق المحاكمات، لا تشي بضحية "تامّة". المرأة / الضحية لم تكن، في غالب الأحوال، كائناً "ضعيفاً" ولا "مستكيناً" ولا قانعاً بما كتب لها؛ هي، غالباً، ذات شخصية نَزَويّة، متحدّية لإرادة أهلها، مغامِرة ومتمرّدة، غير خاضِعة لا لشريكها ولا لأهلها، غير ملتزمة بالقواعد أو بالمنظومة الجندرية المتعارف عليها. في ما يلي، نماذج عن بعضها كما جاءت، حرفياً، في وثائق المحاكمات قيد القراءة:

 يقول المتهم إن حياته الزوجية مضطربة، فلا يوجد انسجام بينه وبين زوجته كلوديت في الطباع والمفاهيم، والمعاشرة الزوجية بينهما غير مرضية، وهي تخرج من البيت دون تحديد وجهة خروجها، تربيتها للأولاد سيئة، تبدّد المدخول الشهري، لا تؤمّن له غذاءه لأنها مشغولة بالزيارات (وكما هي الحال في كلّ حالات قتل الزوجات التي بين أيدينا، تتكرر لازمة  "الشك بالخيانة الزوجية"... فوسوس له الشيطان بالشر - بإحراقها وهي نائمة.

 كلوديت قتلها زوجها بسبب سلوكات تنمّ عن عدم التزامها بأدوارها. هذه من صغائر الأمور.  ومن "كبائرها" أقدّم مثلاً:

 لم تنتظر رولا حكم المحكمة في دعوى طلاقها من زوجها، فكانت تقابل عشيقها وتختلي معه في إحد الشاليهات حيث قتلها الزوج هي وعشيقها في الوقت نفسه.

في دائرة القرابة

 في دائرة القرابة أخذ التمرّد أشكالاً مناسبة نذكر منها مثلاً:

 برغم محاولات خالها المتكررة لثنيها عن قرارها، لم تتخلّ أحلام عن رأيها بشأن الطلاق من زوجها والزواج من عشيقها، بل هي أحضرت هذا العشيق إلى منزل والديها. فقام هذا الخال بقتله.

اللافت أن الضحية التي دعونا بغير التامّة، (النزوية، المغامرة، المتمرّدة غير الملتزمة بالمنظومة الجندرية)، تظلّ تواجه وتعاند حتى الرمق ما قبل الأخير: يقول قاتل ابنته منى ذات الثلاثين عاماً: أنا لم أكن أنوي قتلها بل إيذاءها فقط... سألتها هل هي حبلى فقالت لي " شو أنا بدّي ضلّي ناطرة عريس؟"، فقام بطعنها بالسكين الذي رفعها في وجهها تهديداً.

 هذه أقاصيص، شديدة الاختصار، تتكثّف فيها مواقف النساء الضحايا من أفعالهن التي استفزّت القَتَلَة؛ تتصف كلّ واحدة منها بصفة "الضحية غير التامّة": فهي غير ملتزمة بالمنمّط الأنثوي في إطار ثقافة اجتماعية أبوية، حيث يتعيّن على المرأة أن تكون موضوعاً، وأن تستوي متلقية، مطيعة، صابرة، قابلة بما كتبه لها "الذكر" المسؤول عنها. فإذا غدت ذاتاً فاعلة، راغِبة/ َشِبَقة ومُتحدّية فهي تستفزّ ذلك الذكر، لأنها تتعدّى على امتيازه الذي أكسبه إياه قانون الأب البطريركي غير المكتوب:

 امتياز أن يكون سيداً على جنسانية "نسائه" في أقل تقدير. وهو إذ مارس ذلك الامتياز لآلاف السنين خلف أسوار "حرمة البيت" فإن ممارسته هذه ما زالت مقبولة طالما بقيت ما دون العنف القاتل.

ثانياً: الرجولة المنقوصة

الضحية غير التامّة التي وصفنا في ما سبق، يقابلها رجل يتّسم برجولة منقوصة. هي رجولة منقوصة في إطار المنظومة الجندرية الأبوية التي لا تزال تُعلي سلطة الرجل على "نسائه"، برغم تداعي بعض من أهم أسسها المادية الحاملة لتلك السلطة.

إن نقصان رجولة هؤلاء القتلة ناجم عن إخفاقهم في التلاؤم مع توصيف الرجولة - فبات استحقاقُهم للامتياز الذي يحصّله المنتمون لصنف الرجال موضع مساءلة. وتعبيرات هذا النقصان ليست بدون صلة مع سلوك النساء اللواتي في عهدتهن، قريبات كن أم شركات.

في دائرة الشراكة: فحولة منجرحة

في تسويغ فعل القتل الذي اقترفه الزوج، مثلاً، تبرز الخيانة الحجّة الأكثر تكراراً سبباً لاقتراف الجريمة. ويفترض المتهمون أن فداحة الانجراح الذي تسببه الخيانة لفحولة الرجل بديهية. إن التفضيل الذي تبديه امرأة لرجل غير زوجها يحيل من طرف "غير خفيّ" إلى عجز الزوج الجنسي، أو إلى تقصيره في إشباع رغبات شريكته الجنسية: اندفع الياس لقتل زوجته وعشيقها العلني في الكنيسة صبيحة اثنين الفصح لأن الجيران كانوا يعيّرونه بعلاقة زوجته الغرامية مع أنه كان معروفاً بشدّة بأسه في ميليشيا أحد الأحزاب.

 الخيانة تصيب ذكورة الرجل... وإفشاء المرأة عجز شريكها الجنسي ذو مفعول شبيه:

 إبراهيم قتل عشيقته التي تبيّن أنها "غير مفضوضة البكارة" تداركاً لفضيحة انتشار خبر عجزه الجنسي الذي أكدته زوجته السابقة.

 تسبب الخيانة الزوجية، إذاً، أذى كبيراً لصورة الرجل لذاته. المعرفة بالخيانة المذكورة تبقى، غالباً، محصورة الانتشار فتسمح له بالحفاظ على بعض ماء الوجه. لكن ما لا يمكن إخفاؤه أو تجاهله هو مبادرة الزوجة إلى طلب الطلاق أو الانفصال، أو الهرب مع العشيق، إلخ. فيصبح، إذ ذاك، "نقصانه" معلناً على الملأ.

في العيّنة المدروسة عدد غير قليل من النساء الضحايا اللواتي كن راغبات بالطلاق، أو منفصلات في انتظار إتمام معاملات الطلاق... وذلك ضد رغبة الأزواج أو الأهل، أحياناً.

 من بين القتلة والمتهمين عاطلون عن العمل، ومقاتلون سابقون لم يتخذوا لهم غير القتال مهنة. وبعضهم من عبّر عن تعيير محيطهم لهم، بل زوجاتهم تحديداً، بحالتهم هذه:

 حاول علي العمل دون جدوى، عاش على حساب الحكومة ( في أحد بلدان أوروبا) بشكل متقطع لكنه لم يستطع تأمين لجوئه إلى ذلك البلد بشكل دائم. فعاد إلى لبنان ويعيش عالة على أخيه الذي يوفّر له 1000 $ شهرياً. زوجته تعيّره بالبطالة وبأنه غير قادر على ضبط سلوك ابنته... فأردى الاثنتين معاً.

 إلى فئة الرجال العاطلين عن العمل من المتهمين، فئة أخرى هشّة ومهمّشة من الرجال هم المرضى النفسيون. وفئة ثالثة ابتلي أفرادها بالإدمان على الكحول أو المخدّرات، ورابعة من المنحرفين ذوي السوابق الجنائية. هؤلاء مصابون في هوياتهم الاجتماعية، وفي رجولتهم ضمناً...

في دائرة القرابة: الذات "المنفلشة"

 تتضمّن الأدوار الذكرية عندنا ضبط سلوك النساء القريبات الجنساني. فيضع خروج القريبات عن ذلك الضبط ذكورة الرجل موضع المساءلة، بل هو تهديد لها؛ فيلجأ عندها إلى فعل "حاسم" يستعيد معه "لياقة" رجولته و"اكتمالها". وتهديد الذات هذا، هو أكثر حدّة في الثقافات الاجتماعية الفرعية التي لا يزال "الفرد" فيها على درجة متدنيّة من التبلور، (يكثر قتل القريبات في المناطق اللبنانية الطرفية، شرقاً وشمالاً)؛ وفيها تنحو تصورات أشخاصها لذواتهم لأن تبالغ في موضَعَتِها "في الخارج". وذلك على مثال ما يُدعى في علم النفس بـ"مدار الضبط الخارج ذاتي" External Locus of Control.

 نفترض، استعارة لهذا المفهوم، أن نفوس قتلة القريبات تتمدد لتشتمل على بعض "الخارج". أي أن المتهمين يستمدون تقدير ذواتهم من انتظام أحوال جماعاتهم من أجل انتظام أحوال دواخل ذواتهم. فيعاش، إذ ذاك، الإخلال بأعراف وقوانين هذه الجماعات... يُعاش من أشخاصها، بصفته تهديداً لذواتهم وتعدياً عليها. إن "إزالة" ذلك التعدّي بمثابة الدفاع عن ذواتهم هذه.

 وحين يستنكف الأخ/ الأب/ الإبن، عن إزالة التعديات المذكورة، فإن عدم قيامه بذلك لا يعفي آخرين من الأقرباء والأنسباء من القيام بها. فـ"التلوّث" الذي يُحدثه انحراف الأنثى عن سلطة أقربائها هو إخلال بأعراف الجماعة التي يستمد منها أشخاص الجماعة تقدير ذواتهم؛ فإن تقاعس الأب أو الأخ أو الإبن، مثلاً، عن إزالة التلوّث المذكور فإن هذا التلوّث يبقى قائما،ً وباعثاً على اختلال الذات لدى أشخاص تلك الجماعة، إلى أن "يتبرّع" شخص آخر منها بإزالته:

 علم فادي ذو الواحد والعشرين عاماً أن زوج عمّتِه ضبط عمّته في"حالة زنى" فطلّقها. ولمّا عادت إلى بلدتها اعتبر فادي ذلك "إهانة لكرامة العائلة" فقام بقتلها.

الجريمة: "تصحيحاً" للخلل

في غضون الكلام المرسل في وثائق المحاكمات الست والستين رصدنا سجالاً بين طرفين:

الطرف الأوّل: يتمثّل برجال متمسّكين برجولة لا يملكون مقوّماتها ويفتقدون، تالياً، مرتكزات السلطة التي تستند إليها...

الطرف الثاني: النساء اللواتي لم يحترمن المنظومة الجندرية الأبوية، لأنهن لمسن، هشاشة الرجال الذين هم حُماتها، ولمسن عدم أهليتهم للتمتع بالامتيازات التي توفّرها لهم تلك المنظومة.

 لكن ما غفل عن إدراك هؤلاء النساء أن عدم احترامهن للمنظومة الجندرية، وأن إطلاق العنان لجنسياتهن هو بمثابة تذكير لهؤلاء الرجال بضعفهم المتمثّل بعجزهم عن ضبطهن... هذا العجز كان بمثابة "العامل المفجّر" لنكوصهم صوب العدوانية البدائية القصوى، مفعّلاً "كره النساء" misogyny العتيق لديهم. فأمسي عنفهم القاتل من قبيل ما "شُبّه" لهم بأنه استعادة لسيطرتهم على زمام الأمور، وتثبيت لسلطتهم المهددة، ونصر مبين لها.  إن هشاشة الرجال القتلة التي ظهّرتها نساؤهم لا تتعلّق بالنساء حصرا كما رأينا، لكن النساء كن مثابة المشجب المتوافر لتعليق أسباب عنف بعض الرجال، وكبش الفداء الأقلّ كلفة، والأكثر وقبولاً بـ"دور كبش الفداء " هذا... أليست التضحية في سبيل الآخرين من "شيم" الإناث، ومن بعض علّة وجودهن؟

 في القسم الذي لخّصت من دراستي، حاولت تبيان النتائج التي ترتبت عن إخفاق العلاقات المتبادلة بين الضحايا والمتهمين عن التلاؤم مع أحكام وتوصيفات الممنظومة الجندرية الأبوية؛ وكيف أن الجريمة كانت محاولة لـ"إعادة الأمور إلى نصابها"، فانقلبت على النساء والرجال مخلّفة ضحايا من الفئتين: نساءً أزهقت أرواحهن..... ورجالاً أمسوا قتلة في عين المجتمع؛ وذلك من خلال محاولة المتهمين اليائسة للتوافق مع توصيفات رجولتهم فيه. ما فعلوه كان، من وجهة نظرهم، تعويضاً مأسوياً لخسارة اصابتهم في صميم جنسهم البيولوجي الذي ولدوا فيه.

- -

دراستي هذه دعمتها منظمة "كفى... عنف واستغلال" غير الحكومية في كل مراحلها. وهي نفّذت من أجل إرساء أرضية صلبة لمهمّة التشريع لقانون يحمي النساء من العنف الأسري. إن المنظمات الحكومية وغير الحكومية النسائية تعمل على جعل مناهضة العنف الأسري مهمّة مجتمعية. مهمّة من شأنها أن تقوم باسترداد المرأة من دائرة نفوذ العائلة والعشيرة والطائفة، إلى دائرة نفوذ الدولة؛ وذلك لأنها مواطِنة لها على هذه الدولة حقوق كاملة ينبغي أن تكون غير منقوصة. إن التشريع لقانون يحمي المرأة من العنف الأسري من شأنه الحد من أعداد ضحايا العنف القاتل، والحد من أعداد القتلة المجرمين بين ظهرانينا.

------------------------- 

من  كتاب "جرائم قتل النساء أمام القضاء اللبناني"، للكاتبة عزّه شرارة بيضون،  الصادر عن منظمة "كفى... عنف واستغلال" غير الحكومية، بيروت، 2008  

  


 
   

شارك برأيك في هذا الموضوع

 

 

 
 

 

 

ملامح صورة المرأة / الضحية، كما ارتسمت في وثائق المحاكمات، لا تشي بضحية "تامّة"

 

 

 

 

 

 

 

 

إذا غدت المرأة  ذاتاً فاعلة، راغِبة/ َشِبَقة ومُتحدّية فهي تستفزّ ذلك الذكر، لأنها تتعدّى على امتيازه الذي أكسبه إياه قانون الأب البطريركي

 

 

 

 

 

 

 

 

الخيانة تصيب ذكورة الرجل... وإفشاء المرأة عجز شريكها الجنسي ذو مفعول شبيه

 

 

 

 

 

 

 

 

يفترض المتهمون أن فداحة الانجراح الذي تسببه الخيانة لفحولة الرجل بديهية

 

 

 

 

 

 

 

 إبراهيم قتل عشيقته التي تبيّن أنها "غير مفضوضة البكارة" تداركاً لفضيحة انتشار خبر عجزه الجنسي الذي أكدته زوجته السابقة.

 

 

 

 

 

 

 

 علم فادي ذو الواحد والعشرين عاماً أن زوج عمّتِه ضبط عمّته في"حالة زنى" فطلّقها. ولمّا عادت إلى بلدتها اعتبر فادي ذلك "إهانة لكرامة العائلة" فقام بقتلها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رجال أمسوا قتلة في عين المجتمع؛ وذلك من خلال محاولة المتهمين اليائسة للتوافق مع توصيفات رجولتهم فيه

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


حقوق النشر محفوظة للقارئة والقارئ