كانون الأول / ديسمبر  2008

 


ولاية الفقيه والحكم ذو الطبيعة الإلهية

نزار عثمان


 

تتمثل أهم سمات الثيوقراطية، بخلع الطبيعة الإلهية على الحاكم، فيستمد سيادته من الإله، بل يصبح الحاكم بحد ذاته إلها بالواقع يعيش بين البشر ويحكمهم. وان كان هذا المفهوم سائدا بتلك الصورة في الأزمنة الغابرة لدى الإمبراطوريات القديمة، كمصر الفرعونية، وروما وبلاد فارس، وبشكل واضح المعالم والدلالات، بحيث لا يجد الحاكم غضاضة في الإعلان عن ألوهيته، وعن تنصيب نفسه معبودا لشعوب مملكته، فقد أضحى مع غلبة الديانات التوحيدية أقل مباشرة وتحديدا، فالحاكم "ذو الطبيعة الإلهية"، صار حاكما وفق "حق إلهي مباشر"، غير أن الاختلاف بين المفردتين قد لا يكون كبيرا بالقياس على المفاعيل الواقعية والعملية، إلا فيما يعني طبيعة النص الديني التوحيدي الذي فرض التمايز النظري بين الرؤيتين، فقد ترتب عن كلتا الحالتين امتلاك الحاكم للسيادة المطلقة، والسلطان المقدس غير المحدود، وأخضعت الرعية لخطابه الناطق عن الإله، دون أي حق بالاعتراض، وإلا للزم ذلك خروجا عن جادة الدين، وانتهاكا لهالة القداسة الإلهية المحيطة بشخص الحاكم.

على الرغم من النصوص المسيحية الداعية أن "ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فقد اعتنقت الكنيسة في أوروبا القرون الوسطى هذه النظرية، ونادي القساوسة والرهبان  بأن الإرادة الإلهية هي المنطلق والمصدر لكل السلطات على المعمورة، كما وجد بها كثير من ملوك أوروبا عنوانا لتدعيم سلطانهم، وتحكيم قبضتهم. أما من جهة الإسلام، فالأمر كان مختلفا بعض الشئ بنظر أتباعه، لاشتماله بحسبهم على بعدي الدين والدولة، وبالتالي فقد أقر الإسلام هذه النظرية ودعا بشكل عام لتطبيقها وفق مسميات مختلفة، بعد أن أناط بالحاكم \ الخليفة مهمة الرئاسة باسم الله على جمهور المسلمين، ورعاية شؤونهم الدينية والسياسية في آن واحد.

 مثلت الخلافة بنظر الإسلاميين وتأويلاتهم عنوانا لاكتمال الدين، وتكريس حاكمية الله على الأرض. وقد لا يتسع مجال هنا للحديث عن مدى توافق مفهوم الخلافة مع الحكم بالطبيعة الإلهية أو وفق الحق الإلهي المباشر واختلافه معهما، أو حول مصادر سلطان الخليفة نصا وعرفا، أو الدراسات التي تناولت هذا المفهوم بتاريخيته وأبعاده وحدوده، والاختلافات بإطاره. لكن غاية الأمر أن الخلافة قد شكلت ركيزة أساسية في فكر الحركات الأصولية المعاصرة، وبالرغم من اختلاف تلك الحركات بإزاء طبيعة التعامل مع النظم السياسية القائمة وآلياته، فقد شكلت الخلافة بنظر مجمل هؤلاء هدفا أسمى، تقتضي عودته، وإعادة إحيائه، تحقيق عالمية الإسلام لا سيما لدى الحركات الأصولية السنية. أما الحركات الأصولية الشيعية فقد كانت لهم رؤيتهم المختلفة بإزاء هذه القضية المحورية بل والاهم في الفكر الأصولي.

والحديث عن الفكر الأصولي الشيعي المعاصر، وهو المقصود الأساسي من وراء هذه السطور، يقتضي الإلماح إلى التربة التي نشأ منها هذا الفكر، وإلى الطبيعة الحاكمة عليه من خلالها. فالشيعة تاريخيا كان لهم موقف متمايز حد التناقض بكثير من المفردات عن نظرائهم من المذاهب الإسلامية الأخرى. وقد لعب موضوع الخلافة أهم الأدوار في نشأتهم، وبلورة رؤاهم وعقائدهم. وليس خافيا على أحد إيمان الشيعة بعصمة أئمتهم، واعتبارهم الخلفاء الشرعيين لنبي الإسلام، وبالتالي فأي خروج عليهم هو خروج عن الدين، ونصبا لحرب الإله. وقد أدى إيمانهم هذا لتأخر أبحاثهم الاجتهادية بعمومها قياسا على المذهب السني، وذلك لسهولة مراجعة الإمام الممثل لظل الله والوصي لنبيه في الأرض بالنسبة لهم، واستنطاقه بما يبين الخطاب الشرعي. ثم، ومع غيبة الامام الثاني عشر عام 260 هـ، بحسب ما يذهبون، اتجهت جهود فقهائهم لملء الفراغ الحاصل في المرجعية العقائدية والفقهية، مع غياب ملموس في الأبحاث السياسية الفقهية، ولذلك أسبابه التي ليس أقلها العلاقة المأزومة التي ربطتهم بمؤسسة الخلافة، واعتيادهم على الكمون والتقية في التعامل مع الأحداث السياسية الحالة، جريا على ديدن أئمتهم لمدة فاقت المائة عام بعد حادثة كربلاء وما جرى فيها على الحسين.

خلاصة القول أن الاصوليين الشيعة نظروا إلى الخلافة نظرة من اتجاهين، الأول ويتبلور بإيمانهم بضرورتها، إذ لا اكتمال للدين بعرفهم إلا بها، وهنا محور التلاقي مع التيارات الاصولية السنية الأخرى، بل ربما كان للشيعة بهذا الإطار موقفا أشد صرامة، حيث اشترطوا توافر مزايا ذات طبيعة إلهية بشخص الخليفة الإمام المعصوم. والبعد الثاني، اقتناعهم بعدم شرعية مؤسسة الخلافة القائمة على مدى التاريخ، لانعدام أحقية من تلبس بدورها مع وجود المعصوم. أدت القناعة هذه لخلق موقف مبدئي لدى الشيعة من الخلافة والمؤسسات الحاكمة، قوامه الرفض والانتظار، لانتفاء الحيلة أو الوسع أمام سلطانها، ثم تطور مفهوم الانتظار بتقادم الزمن ليرتبط بفكرة المخلص ووراثة الأرض، بعد أن بين الواقع استحالة التغيير، ما دعا لتطور الاجتهاد في الأحكام الفقهية العبادية على حساب تلك التي تعنى بالشؤون العامة والسياسية، غير أن نقاط معينة قوضت لرجل الدين أو الفقيه هالة من القداسة، ومهدت له دورا للحكم المتجزئ أقرب ما يكون للحكم باسم "الحق الإلهي غير المباشر"، منها:

1-   نص المعصوم على الرجوع لرجل الدين في الفتيا بإرجاع خاص، من مثل قول الإمام الصادق لأصحابه "ارجعوا إلى أبان في المسجد يفتيكم"، أو بإرجاع عام مستفاد من نصوص أخرى.

2-   اختيار الإمام الثاني عشر أربعة من أتباعه ليكونوا صلة الوصل بينه وبين سائر الشيعة بحسب ما يذهبون في المرحلة التي اصطلحوا على تسميتها بالغيبة الصغرى، ما رسخ تقريرا القناعة الذاهبة لإمكانية قيام الفقيه بأجزاء من مهمة المعصوم.

3-   ضرورة تصدي الفقيه لرعاية شؤون أتباع المذهب الشيعي في الأمور الحسبية، والتي تشمل إدارة شؤون الأيتام والأوقاف والكفالة وما سواها.

كل هذه الأمور وغيرها، كرست للفقيه دورا أساسيا في المجتمع الشيعي، وقد اختلف الفقهاء بإزاء النصوص وتأويلاتها، فحكم بعضهم بجواز التصرف بالأمور الحسبية لأهميتها بل لضرورتها، وأفتى البعض الآخر بالولاية الخاصة التي لا امتداد لها للشؤون العامة، وذهب آخرون إلى الولاية العامة.

وهنا مسألة قد يكون لها أهميتها في البين، فقد احتاط فقهاء الشيعة في مسألة الدولة والحكم، حتى أفتى أغلبهم ببطلان كل دولة تقوم في عصر غيبة المهدي، لكن هذا لم يمنع بعضهم من ممالئة بعض الدول التي قامت على مدى التاريخ، لاسيما إن كانت شيعية، كما في حالة الدولة الصفوية في إيران. ومع غض النظر عن الأسباب الداعية لمثل تلك المواقف المتعارضة مع أصل مبدأ الانتظار في الفكر الشيعي، فقد تلمس فقهاء الشيعة طريقهم إلى الحكم غير المباشر ببطء شديد، عبر تشكيل حالة أشبه باللوبي على السلطات الشيعية الحاكمة، وبالمقابل فقد وجد هذا التغيير طريقه إلى المصنفات الفقهية، حيث ابتدأ عدد من فقهائهم مثل الشهيد الثاني والعلامة النراقي بالتأصيل للنظرية السياسية لديهم، لكن مصنفاتهم لم ترق إلى حد تطويق نظرية الانتظار، لارتباطها بأصل أساسي من أصول عقيدتهم وهو الإمامة، أو تفصيل أحكام الدولة الدينية من منطلق فقهي شيعي.

شهد النصف الأول من القرن العشرين إرهاصات بشرت بخروج العملاق من قمقمه حاملا على ظهره ضيم ثلاثة عشر قرنا، فقد حملت ثورة المشروعة والمشروطة الممتدة من نهايات القرن التاسع عشر في إيران، والحرب العالمية الأولى مع آثارها الكبرى على مستوى العالم، والقضاء على الخلافة، وما لحق هذا من ظهور حركات أصولية سنية تنادي بحاكمية الله، حمل كل هذا تحد وضع فقهاء الشيعة أمام ضرورات مرحلية تفرض عليهم الأبحاث الفقهية السياسية، فانبرى عدد من مراجعهم من مثل النائيني والخالصي وغيرهما في العقدين الأول والثاني للتصدي للشؤون العامة، لكن ما لبثت محاولاتهم أن باءت بالفشل، وكان من آثارها انزوائهم، وانحسار الدور الأصولي الشيعي حتى منتصف القرن العشرين، وحينها بفعل التحديات التي مثلتها التغيرات على صعيد الأنظمة والإيديولوجيات، برزت حركات شيعية ذات طابع أصولي في العراق، وغير مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمرجعية الفقهية الشيعية، ما دعا واحدا من المراجع الشيعة وهو محمد باقر الصدر للتصدي إلى مهمة تفصيل رؤية فقهية في مسألة العمل السياسي وفق إطار قريب من نظرية الشورى، لكن عمله هذا لم يجد بابا للاستمرار والازدهار، نتيجة لموقف الحوزة التي حرّمت العمل الحزبي، ومن ورائه العمل السياسي المباشر رضوخا لنظرية الانتظار. حتى أتى الخميني بنظرية ولاية الفقيه المطلقة، حاملة في ثناياها خروجا عن مشهور ما رآه فقهاء الشيعة لقرون طويلة خلت، وطيا لنظرية الانتظار مع تمسك ظاهري شكلي بها لارتباطها بمفهوم الإمامة لدى الشيعة، ورفضا للمعايير التي تقف خلفها الدولة الحديثة والنظم السياسية القائمة، وتمايزا عن الفكر الأصولي السني الذي أعلن الدعوة للخلافة، أخذا بأن الخلافة هي للمعصوم من حيث أصل مفهومها، وان مؤسساتها التي قامت على مدى التاريخ غير شرعية.

ولعل أبرز ما يميز نظرية الخميني بالحكم نقطتين: الأولى: عدم استنادها إلى نص فقهي اجتهادي متين من الأدلة التفصيلية المعتبرة بإطار استنباط الأحكام الشرعية لدى الشيعة، وارتكاز المبنى في إطلاق فتواه على الضرورة العقلية التي تحكم بحسبه بلا بدية نشوء الحكومة الإسلامية، لاعتباره الإسلام دين ودولة. الثانية: الجرأة في إطلاق حكومة إسلامية هي الأولى نظريا في الفكر الأصولي الشيعي، تضاهي مفهوم دولة الخلافة من حيث الفعل، واعتبار زعيمها نائبا للمعصوم أكان نبيا أو إماما، له كل ما للأخير من صلاحيات، بحيث لا تحد سلطته بدستور ولا قانون، وطاعته واجبة بوجوب طاعة النبي والإمام، وهو مصدر شرعية الدولة واستمرارها.

 وهنا إذ يسجل نوع من التوقف أمام المهام الموكلة للولي الفقيه، والتي تجعله حاكما ذا طبيعة إلهية، بما تخلع عليه من صلاحيات لا تكون إلا للمعصوم في الفكر الشيعي، مع عدم الاستناد على نص متين لاستنباط هذا الحكم، وهو الأمر الذي دعا فقهاء الشيعة للتوقف لقرون طويلة. تظهر ولاية الفقيه من حيث مفاعيلها كإرتكاس باتجاه طبيعة الحكم في الإمبراطوريات الفارسية والرومانية البائدة التي تضفي على الحاكم مزايا الآلهة، بحيث لا مناص معه عن الإطاعة والإتباع، وإلا  فنصيب المخالف الخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة بحسب مقتضيات تلك النظرية.

 


 
   

أخبر أصدقاءك عن هذا الموضوع

 

 

 
 

 

 

 

 

 

الشيعة تاريخيا كان لهم موقف متمايز حد التناقض بكثير من المفردات عن نظرائهم من المذاهب الإسلامية الأخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

احتاط فقهاء الشيعة في مسألة الدولة والحكم، حتى أفتى أغلبهم ببطلان كل دولة تقوم في عصر غيبة المهدي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تلمس فقهاء الشيعة طريقهم إلى الحكم غير المباشر ببطء شديد، عبر تشكيل حالة أشبه باللوبي على السلطات الشيعية الحاكمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فانبرى عدد من مراجعهم من مثل النائيني والخالصي وغيرهما في العقدين الأول والثاني للتصدي للشؤون العامة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تظهر ولاية الفقيه من حيث مفاعيلها كإرتكاس باتجاه طبيعة الحكم في الإمبراطوريات الفارسية والرومانية البائدة التي تضفي على الحاكم مزايا الآلهة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 


حقوق النشر محفوظة للقارئة والقارئ